مجلد 52 عدد 200 (2026)

					معاينة مجلد 52 عدد 200 (2026)

كلمة العدد

                                     بقلم: أ.د.رائد إسماعيل عبابنة

                                                                عضو هيئة التحرير

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليمِ على سيدِنا محمدٍ، خيرِ الخلقِ والمرسلين، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.

انطلاقاً من القيم المعرفية التي حثّ عليها ديننا الحنيف، وتجعل من العلم أداةً للفهم والإعمار، يأتي هذا العدد من مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية في سياقٍ علميٍّ يسعى إلى قراءة التحولات المتسارعة التي تشهدها مجتمعات الخليج العربي، واستكشاف أبعادها الاجتماعية والسياسية والمعرفية بعمقٍ واتزان. وفي ظل هذه التحولات، وتزايد تعقيد القضايا المجتمعية، يأتي العدد (200) من هذا المنبر ليقدم إسهامات علمية متنوعة تعكس ثراء الحقول البحثية وتعدد المقاربات المنهجية في دراسة المنطقة. ويجسد هذا العدد توجهاً واضحاً نحو الربط بين التحليل النظري والتطبيق العملي، بما يسهم في فهم أعمق للتحولات البنيوية التي تمر بها مجتمعات الخليج. ويضع هذا العدد القارئ العربي أمام الإنسان أولاً بمشاعره، وتحدياته، وسلوكه، ثم ينتقل به إلى المؤسسة، فالإعلام، فالتاريخ، فالعلاقات الدولية، في رحلة معرفية مترابطة تعكس تعقيد الواقع الخليجي وتنوعه.

في هذا السياق، تأخذنا أمال قاسمي في دراسة إنسانية مؤثرة بعنوان “القلق والاكتئاب لدى أمهات المعاقين والأصحاء: دراسة مقارنة”، إلى عمق التجربة الإنسانية للأمهات؛ إذ إن الإعاقة لا تكون مجرد حالة طبية أو صحية، بل تجربة نفسية واجتماعية مركبة. وتكمل هذا البعد الإنساني معصومة المطيري في دراستها “من الصراع المعرفي إلى اضطراب التنظيم الانفعالي: الملل الأكاديمي لدى طلبة الجامعة في الكويت”، كاشفةً كيف يمكن للصراع الداخلي والملل أن يؤثرا في توازن الفرد وانخراطه الأكاديمي. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى فهم سلوكيات أكثر تعقيداً، فيقدم يوسف القطوان وعثمان الخضر دراسة بعنوان “علاقة التفكير الناقد والحكم الأخلاقي بالسلوك العنيف لدى مرتكبي جرائم القتل وجرائم العنف”، محاولةً تفسير كيف تتقاطع العوامل المعرفية والأخلاقية في تشكيل السلوك الإنساني في أقصى درجاته وحالاته.

وفي جانب آخر من التجربة الإنسانية، تنقلنا نعيمة طاهر إلى بيئة عمل تتصف بالتوتر والضغط في دراستها حول الاحتراق النفسي لدى موظفي السجن المركزي في الكويت، حيث تتقاطع الضغوط المهنية مع الصحة النفسية. بينما تعيدنا فرح المطوع إلى فضاء الأمل، من خلال دراستها عن المسؤولية الاجتماعية وعلاقتها بالوحدة الوطنية؛ لتؤكد أن القيم المشتركة لا تزال تشكل ركيزة أساسية في تماسك المجتمع.

وفي ميدان التعليم، يفتح هذا العدد نقاشاً مهماً وآفاقاً حول القبول، والتنوع، والاختلاف؛ إذ تقدم نوف المرزوق دراستها "الدمج التعليمي من منظور ثقافي”؛ لتطرح سؤالاً جوهرياً: الدمج أهو مجرد سياسة تعليمية، أم هو ثقافة مجتمعية؟ ويأتي هذا الطرح مدعوماً بدراسة مسفر العجمي حول أساليب تعزيز الدافعية لدى الطلبة ذوي الإعاقة؛ لتؤكد أن جودة التعليم لا تُقاس بالمناهج فقط، بل بقدرتنا كمؤسسات ومجتمعات على إشراك الجميع أيضاً.

أما في عالم الإعلام؛ فتطرح دراسة فاطمة السالم وخالد القحص تساؤلات مهمة حول الثقة والمصداقية في زمن الأزمات، من خلال تحليل اتجاهات الجمهور خلال "حرب الاثني عشر يوماً" في عام 2025؛ إذ لم يعد الإعلام مجرد ناقل للمعلومة، بل فاعلاً حاسماً في تشكيل الوعي المجتمعي. وفي الحقل السياسي والعلاقات الدولية، تقدم نوف الجسار قراءة تحليلية عميقة لتحولات السياسة الخارجية الخليجية في ظل إدارة ترامب، كاشفةً كيف تدفع التغيرات والتحولات العالمية الدول إلى إعادة التفكير في تحالفاتها وخياراتها الإستراتيجية.

ولا يكتمل هذا المشهد دون العودة إلى التاريخ؛ فيعيد محمد خرشان التفكير في “المصادر” ذاتها، في دراسته حول “المصادر الأُمّ في تاريخ الخليج الحديث”، مقدماً رؤية منهجية جديدة بالتركيز على ما يسمى بالببلوغرافيا التاريخية. بينما تأخذنا سماح العزاني إلى مرحلة مفصلية من تاريخ منطقة السواحل العربية الجنوبية في دراستها حول دوافع السيطرة عليها من القوى الإقليمية من البرتغاليين والمماليك والعثمانيين. ويقدم تامر طه قراءة وثائقية دقيقة لدور الإدارة البريطانية في تنظيم الملاحة الجوية في البحرين.

إن الرابط الناظم بين هذه الدراسات يتمثل في سعيها المشترك إلى فهم التحولات العميقة التي تشهدها مجتمعات الخليج، سواء على مستوى الفرد أو المؤسسة أو الخطاب، من خلال مقاربات تحليلية تتجاوز الوصف إلى التفسير، وتسعى إلى تقديم معرفة علمية قابلة للتطبيق.

وختاماً، إن هذا العدد، بكل ما يحمله من تنوع وعمق، ليس مجرد مجموعة من الأبحاث، بل هو مساحة حوار معرفي متنوع حيّ، يجمع بين الماضي والحاضر، بين الفرد والمجتمع، وبين التحليل والتطبيق. ونأمل ألا يكون هذا العدد مادة للقراءة فحسب، بل يكون أيضاً مدخلاً للتفكير، ودافعاً لمزيد من البحث، وخطوة نحو فهم أعمق لمجتمعات دول الخليج، واستشراف مستقبل أكثر وعياً وازدهاراً. وانطلاقاً من دورها العلمي الرائد، تُجدّد المجلة التزامها الراسخ بدعم البحث العلمي الجاد، وتعزيز الحوار المعرفي المتعدد التخصصات، بما يُسهم في بناء أفق علمي أكثر إشراقاً وثراءً في ميدان دراسات الخليج والجزيرة العربية.

منشور: 2026