مجلد 51 عدد 4 (2023): مجلة العلوم الاجتماعية

					معاينة مجلد 51 عدد 4 (2023): مجلة العلوم الاجتماعية

افتتاحيــة العـــــدد   

ونحن ندوّن هذه السطور، يكون قد مرّ اليوم الثالث عشر على التوترات العسكرية الدامية التي تشهدها المنطقة بين حركة حماس وإسرائيل. وكانت الشرارة الأولى للصراع قد اندلعت بعد قيام الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في عام 1947م، إلى دولة يهودية وأخرى عربية، وهو القرار الذي أوقد فتيل حروب ونزاعات تاريخية لم تهدأ حتى اليوم. وقد أفرزت هذه الحروب والنزاعات حركات سياسية مقاومة، منها حركة حماس، التي تناضل من أجل تحرير الأراضي الفلسطينية، واسترداد الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني. ونتيجة للنزاع المستمر بين إسرائيل وحركة حماس، تفاقمت حدة التوتر والصراع في المنطقة، وكان لذلك تأثير مباشر وكبير على الحالة الاجتماعية للسكان.  بدايةً من الأسر الفلسطينية التي تأثرت بشكل ملحوظ؛ حيث فقد العديد منها أحد أفرادها أو أكثر؛ بسبب العمليات العسكرية؛ مما أدى إلى تأثيرات نفسية واقتصادية عميقة. كما تأثر الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما، وباتوا أكثر عرضة للانضمام إلى جماعات مقاتلة أو متطرفة. هذا إلى جانب أن الهجمات المتكررة على قطاع غزة قد أدت إلى تدمير البنية التحتية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه، وأفرز ذلك تراجعًا في ظروف العيش وانخفاضًا في فرص التعليم وجودة الخدمات الصحية.  كما أدى الحصار والعزلة والقصف المتكرر إلى صعوبة الوصول إلى المصادر الثقافية والفنية والمعلوماتية من خارج القطاع، وتقلصت فرص التطور الثقافي والفكري، وأصبح عمل المنظمات غير الربحية والأهلية أكثر صعوبة، وتراجعت فعالية المجتمع المدني.  فضلًا عن ذلك، الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعاني منها سكان القطاع قد تؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية وازدياد حالات العنف الأسري وانتشار الجريمة. ويُخشى أيضًا من أن يفقد الجيل الجديد هُويته الوطنية ويكوّن رؤية أكثر تطرفًا وأقل تسامحًا؛ نتيجة لمعاناته الشديدة وتجاربه السلبية. كما أن استمرار الهجمات العسكرية والغارات الجوية والبرية يجعل الأمان هاجسًا دائمًا لسكان القطاع والمناطق المجاورة، الذين يعيشون في خوف وقلق مستمرين على حياتهم وأسرهم ومعيشتهم.

 في ظل هذه الأوضاع الصعبة التي تواجه قطاع غزة؛ نتيجة للهجمات الإسرائيلية، يبرز البحث العلمي كأداة حيوية وضرورية تسهم في تعزيز فهمنا وإدراكنا للوضع من خلال مجموعة متنوعة من التخصصات؛ كالعلوم الاجتماعية والاقتصاد والعلوم السياسية والجغرافيا؛ بهدف وضع خطط عملية وتقديم الدعم المطلوب. على سبيل المثال، في ميدان علم النفس والعلوم الاجتماعية، يمكن للباحثين إجراء دراسات معمقة تركز على تحليل الآثار النفسية الناتجة من التعرض للعنف والقصف على الأطفال والكبار في غزة، واستكشاف الأساليب والإستراتيجيات التي يعتمدون عليها للتأقلم مع هذه الظروف المعقدة. وفي السياق نفسه، يمكن إجراء أبحاث لدراسة تأثير الصراع على العلاقات الأسرية والاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، وتحليل كيف تتأثر البنى الاجتماعية والقيم والتقاليد بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المحيطة.   وفي الجانب الاقتصادي، يمكن للباحثين دراسة الآثار الاقتصادية للحصار والهجمات الإسرائيلية وتأثيرها على معدلات البطالة والفقر والتنمية الاقتصادية، وتحليل آثار النزاع على اللاجئين والخدمات المقدمة لهم. أما في المجال السياسي؛ فيمكن البحث في تأثير النزاع على كل من العلاقات بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، وعلى السياسة الإسرائيلية. وفي المجال الجغرافي، يمكن دراسة تأثير الحدود والجدران والحواجز على حركة الناس والتفاعل بينهم، وتحليل التوزيع الديمغرافي والثقافي للسكان في المنطقة.  وتوظيف أدوات البحث العلمي في فهم ودراسة احتياجات الأشخاص المتضررين من النزاع والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يعتبر خطوة أساسية وضرورية. ويمكن للباحثين استخدام منهجيات علمية متنوعة لجمع وتحليل البيانات التي تساعد في توفير صورة دقيقة عن وضع هؤلاء المتضررين وما يحتاجون إليه.  ومن خلال البحث العلمي أيضًا، يمكن تحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحاً وأولوية لهم، سواء كانت احتياجات طبية أم نفسية أم تعليمية أم غيرها. كما يمكن دراسة الطرق والأساليب المُثلى لتقديم الخدمات اللازمة لهم والتخفيف من تأثير الأضرار التي لحقت بهم، ووضع الخطط والإستراتيجيات الفعّالة للتعامل مع النزاع، والحدّ من تداعياته على الأشخاص والمجتمعات المتضررة، وذلك من خلال تقديم حلول عملية ومبتكرة تستند إلى الأدلة والبيانات العلمية.

ختامًا، يجب تشجيع الباحثين والمؤسسات العلمية والأكاديمية على توجيه جهودهم نحو إجراء أبحاث، تسهم في فهم أعمق لتأثير النزاعات والحروب على الناس، وتوفير المعلومات والأدوات اللازمة للتعامل مع هذه التحديات والمساهمة في تحقيق تنمية مستدامة وسلام دائم في المنطقة. وفي مجلة العلوم الاجتماعية، نؤكد استعدادنا لاستقبال المقالات التي تتناول هذه الموضوعات، مع تأكيدنا تقديم الأولوية في عملية التحكيم والنشر للمساهمة في خدمة المجتمعات التي تعاني من تداعيات النزاعات والحروب.

أ.د. هيفاء يوسف الكندري 
القائم بأعمال رئيس التحرير 

منشور: 2025