مجلد 39 عدد 153 (2024): ديسمبر

					معاينة مجلد 39 عدد 153 (2024): ديسمبر

ميزانيات البحث العلمي التي تنفقها الدول والشركات على مشاريع الابتكار والتطوير تناهز حالياً مبلغ تريليون دولار سنوياً، أي ألف مليون دولار. ويأتي هذا الإنفاق إحساساً بأهمية نتائج البحوث والدراسات في عملية التنمية المستدامة، ودوره المهم في حل المشكلات ومواجهة التحديات في مختلف المجالات.

        حيث تنفق أغلب هذه الميزانيات في الدول المتقدمة، وفي المجالات العلمية والطبية ومجال الابتكار على وجه التحديد، بينما ينال مجال التربية والتعليم منها النزر اليسير. ونظراً لمحدودية ميزانية البحث العلمي التي تصرف من قبل الجهات الحكومية ومؤسسات التعليم العالي في العالم العربي، فإن الدراسات التي تنشر في المجلات العلمية العربية لغرض الترقية، أو لزيادة الإنتاج العلمي للأكاديميين تصبح فرصة جيدة ومميزة يمكن الاستفادة منها والتعويل عليها. هذا ويمتلك الكثير من الباحثين والأكاديميين العرب إمكانات وقدرات بحثية متميزة، وهم مطلعون على أحدث الأساليب والطرق البحثية في عالم البحث العلمي.

لهذا السبب انعقد المؤتمر الدولي الثاني للمجلة التربوية بجامعة الكويت في نهاية الشهر الماضي تحت عنوان دور البحث العلمي في تطوير التعليم والذي هدف إلى عرض نتائج أهم الدراسات والبحوث التي نشرت في المجلة التربوية والتي كان  لها ارتباط واضح بعملية تطوير التعليم، بالإضافة إلى عرض نتائج بعض رسائل الماجستير التي تطرقت إلي هذا المجال. فعلى مدى يومين توزعت فعاليات المؤتمر على 13 جلسة،  تضمنت كل جلسة محاضرتين، مما جعل عدد المحاضرين يصل إلى 36 محاضراً من داخل الكويت ومن خارجها.

تمثلت أهمية المؤتمر في محاولته الربط بين الفكر والممارسة، ومحاولة تجسير الهوة بين النظرية والتطبيق. فهناك الكثير من الأفكار التطويرية ومشاريع إصلاح التعليم التي تم عرضها واستعراضها في نتائج البحوث والدراسات التي نشرت في المجلة التربوية،  أو تلك التي نشرت في رسائل الماجستير والتي تحتاج إلى من يظهرها إلى الفضاء العام لكي تأخذ حظها من النقاش والحوار الهادف والمستفيض، والذي من شأنه أن يزيد الوعي بأهمية هذه المشاريع والبرامج التطويرية، والتي قد تجد آذاناً صاغية عند متخذي القرار وواضعي السياسات التربوية في وزارات التربية والتعليم العالي.

‏إن الجدل حول أثر وفائدة نتائج البحوث والدراسات التي تنشر في مختلف أوعية النشر العلمي مستمر ومتواصل، وله ما يبرره من أسباب، بل إن الجدل حول الدور المباشر للبحث العلمي في تطوير العملية التعليمية يكاد يكون هو الشغل الشاغل في المجال التربوي والتعليمي في كثير من الأنظمة التعليمية المتطورة.

 

        إن  اعتماد مشاريع تطوير التعليم الجزئية كانت أو الكلية على مخرجات البحث العلمي الرصين هو أمر لا يزال بعيد المنال في كثير من أنظمتنا التعليمية في العالم العربي، لذا تأتي أهمية تقريب الفجوة بين نتائج الأبحاث والدراسات العلمية الجادة وذات الرؤية وبين الواقع العملي المعايش في المدارس وفي النظام التربوي العربي، وذلك من خلال العديد من الطرق والأدوات مثل:

  • المؤتمرات والندوات العلمية السنوية والدورية:

وفيها يجتمع عدد كبير من المهتمين بالشأن التعليمي، ويتم فيها استعراض نتائج الدراسات والبحوث المحكمة التي نشرت في المجلات العلمية الرصينة. إن الحوار المثمر الذي يحصل في هذه المؤتمرات بين الأكاديميين والباحثين من جهة وبين الممارسين في الميدان من جهة أخرى من شأنه أن يرفع من مستوى الوعي والممارسة اللازمين للانطلاق في رحلة التطوير التربوي والمدرسي، فبالحوار تنضح الأفكار .

ولنا أن نتخيل كمية البحوث والدراسات التي تنشرها المجلات العلمية العربية في مختلف البلدان كل عام، والتي تزخر بالكثير من الأفكار والبرامج والإبداعات، والتي يمكن عقد العديد من المؤتمرات العلمية للتباحث حول نتائجها وكيفية تطبيقها.

  • الحلقات النقاشية المغلقة:

تختلف هذه الفعالية عما قبلها في أنها قد  تجمع  عدداً قليلاً من المتخصصين فقط  في الشأن الأكاديمي  مع ذوي الخبرة من الممارسين الميدانيين من قيادات تربوية وتعليمية فنية وإدارية؛ فيتباحثون في هذه الحلقات النقاشية المغلقة حول سبل تفعيل نتائج الدراسات ذات الصلة بالإصلاح المدرسي والاستفادة منها بشكل عملي، بل وتكييفها لكي تتواءم مع البيئة المحلية.

  • اللقاءات التي تنظمها إدارات التخطيط في وزارات التربية والتعليم:

إن هذه الإدارات تعدُّ بمثابة العقل المفكر لمشاريع الإصلاح المدرسي وخططها، فاستضافتها للقاءات علمية تناقش أهم نتائج الأبحاث والدراسات في مجال جودة التعليم والتطوير المدرسي  والتي تنشر في المجلات العلمية المحكمة من شأنه تزويد هذه الإدارات برؤية مجانية حول جوانب مهمة في هذا المجال، أخذاً بعين الاعتبار أن هذه الأبحاث نشرت وتنشر لغرض البحث وليست بحوثاً مستكتبة يمكن أن تكلف ميزانيات ومبالغ مالية.

رئيس التحرير

أ.د. غازي عنيزان الرشيدي

 

منشور: 2025

علم النفس التربوي

تكنولوجيا التعليم