خطاب الحرية وحقوق الإنسان في الإسلام (نصوص ووقائع).

المؤلفون

  • عبدالقادر الرباعي جامعة العلوم الإسلامية العالمية

DOI:

https://doi.org/10.34120/ajh.v33i.2517

الملخص

كثرت التعاريف لمفهوم الحرية، إلى درجة القول: إن كلمة الحرية تحتمل من المعاني ما لا يمكن حصره؛ بحيث قد يكون من غير المحتمل قبول تعريف عام واحد يصدق على سائر مدلولات الحرية. ولعل الأقرب اختياراً هو القول بأن الحرية هي تلك الملكة التي تميز الإنسان - بصفته كائناً ناطقاً عاقلاً - يصدر في اختيار آرائه وأفكاره وأفعاله عن إرادته هو، لا عن إرادة غيره؛ وذلك يعني أنه لم يكن عبداً لأحد ولن يكون. أما حقوق الإنسان فقد أعلن عنها عام 1789م في أعقاب قيام الثورة الفرنسية مصدرةً بعبارة تقول: "يولد الناس أحراراً ومتساوي الحقوق". لكن الإسلام كان قد سبق هذا الإعلان حين رسخ احترامه لحرية الإنسان عملياً على لسان عمر بن الخطاب في قوله لعمرو بن العاص إثر تعدي ابنه على مصري ضعيف: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". كما أن الإسلام ساوى بين العبد والسيد في أحداث خاصة، وأحوال عامة معروفة، منها قول عمر في صحيفة القضاء الموجهة إلى أبي موسى الأشعري: " آ س (ساوي) بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك". ومن الغايات المستهدفة في المبادئ الإسلامية تجفيف منابع العبودية بالترغيب في انتزاع حرية العبيد والأرقاء من مالكيهم، ففي القرآن تشريعات تدفع باتجاه ذلك، مثل قوله تعالى: "فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبةَ * وما أدْراكَ مَا العَقَبةُ * فَكُّ رقَبَةٍ" (البلد 10 - 13)، بل لقد ذهب النبي إلى حد تشريع إلغاء كلمة عبد أو أمة، فقال عليه السلام: "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي". وفي هذا احترام لإنسانية الإنسان وتقدير عمله مهما كانت طبيعة هذا العمل المتاح. والحرية في الإسلام ليست واجباً فحسب، لكنها ضرورة من ضرورات الوجود الإنساني؛ فمعها يحيا الإنسان، ومن أجلها يستشهد. وهي فيه قرينة للكرامة الإنسانية التي منحها المولى عز وجل للإنسان حيث قال: "ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهُمْ في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهُمْ منَ الطَّيِّباتِ وفضَّلْناهُمْ على كَثِيرٍ مِمَّـا خَلَقْنا تَفْضِيلا" (الإسراء 70). ولما كان الإسلام نظام حياة لمجتمع متآلف فقد نظر إلى الحريات في إطار الحق الذاتي، والالتزام الاجتماعي، والواجب العام؛ فمن حق الفرد أن يتمتع بحريته الشخصية في إطار حقه بالأمن والأمان، والتنقل، والتعليم، والملكية، والفكر، والمعتقد، لكن من حق المجتمع والدولة عليه أن يلتزم بالأخلاق الإسلامية، والمنظومة الاجتماعية، وأن يحترم حرية غيره فيما يتمتع هو به من حريات وحقوق. كما عليه أن يؤدي التزاماته تجاه الدولة الإسلامية التي منحته حريته في كل وسائل عيشه، وحمت حقوقه من أذى الآخرين مهما كانت صفتهم ومواقعهم. إنه بهذا الالتزام والانضباط يغدو إنساناً صالحاً في أمة صالحة وصفها رب العزة بقوله: "ولْتكُنْ منكُمْ أمَّةٌ يدعُونَ إلى الخَيْرِ ويأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عن المُنْكَرِ وأُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُون". (آل عمران 104) . كما يصبح من ذوي الشخصية المستقلة التي تأبى أن تكون إمعة تنقاد إلى ما يتنافى والفضيلة، وإنما تختار أن تتجنب السوء في كل آن، وأن تسلك طريق الإحسان مع كل حال، وهي التي أرادها الرسول أن تكون أنموذج الحق الجريء للشخصية الإسلامية الحرة. قال عليه الصلاة والسلام: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساء الناس أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساء الناس أن تتجنبوا إساءتهم". هذا هو الإسلام الذي كرم الإنسان ومنحه الحرية التي يستحق في إطار دولة الحق والعدل والأمن والأمان. كما هيأ للمسلم كل السبل الكفيلة باعتزازه بذاته في ظل احترامه للآخرين. ولعل ما يتوج الحريات في الإسلام حكمته في إطلاق حرية المعتقد. فالإسلام الذي اعتمد على العقل في تدبر شؤون الحياة والكون حين قال تعالى: "سنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفُسِهِمْ حتَّى يَتَبيَّنَ لهم أنهُ الحَقُّ" (فصلت 53)، ما كان يضره أن يضم المجتمع الإسلامي من هم على غير ديانة الإسلام بعد أن بين للناس طريق الرشاد وطريق الضلال. من هنا أرسى قاعدة الاختيار فقال تعالى: "لا إكراهَ في الدِّينِ قد تبينَ الرُّشْدُ من الغَيّ" ( البقرة 256). إن تكريم الإنسان، وتحريره من العبودية، ثم الثقة المطلقة بعقله وتفكيره واختياره، وتبيان أسباب الخير والعدل والحق والمساواة له؛ كلها مبادئ سامية رسمها الإسلام طريقاً إلى صلاح الإنسان، وسلامة المجتمع في حفظ حقوق الأفراد والجماعات . إنها هي الطريق ذاتها التي جعلته ديناً صالحاً لكل زمان ومكان وإنسان.

التنزيلات

بيانات التنزيل غير متوفرة بعد.

السيرة الشخصية للمؤلف

عبدالقادر الرباعي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية

أستاذ، قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، الأردن.

التنزيلات

منشور

2015

كيفية الاقتباس

الرباعي ع. (2015). خطاب الحرية وحقوق الإنسان في الإسلام (نصوص ووقائع). المجلة العربية للعلوم الإنسانية, 33, 101–129. https://doi.org/10.34120/ajh.v33i.2517