العلاقات الأخوية المسيحية - الإسلامية في المشرق العربي عامة وفي فلسطين خاصة، هل يمكن أن تشكل نموذجا للغرب؟.

المؤلفون

  • المطران عطا لله حنا

DOI:

https://doi.org/10.34120/ajh.v31i.2409

الملخص

إن منطقة الشرق الأوسط هي مهد المسيحية، والمسيحيون في الشرق تاريخ حي ينبض بالحياة، وقد شهد المشرق العربي منذ بداية ظهور الإسلام أجواء من التآخي والودية بين الإسلام والمسيحية دون أي تعصب ديني ومذهبي، وساد التآخي والعيش المشترك المجتمع العربي بكل مكوناته الدينية: المسيحية والإسلامية. وتبقى الحقيقة المهمة، وهي أن المسيحيين العرب ليسوا أغراباً بأي شكل من الأشكال عن المجتمع الإسلامي؛ فقد عملوا مع المسلمين جنباً إلى جنب، منذ أربعة عشر قرناً دون انقطاع حتى يومنا هذا، في بناء صرح الحضارة العربية ومدنيتها، ونبغ بينهم كتّاب وأدباء وأطباء ومهندسون وعلماء في مختلف أنواع العلوم، ومترجمون نقلوا مختلف الحضارات إلى العربية ثم إلى العالم، وكثير منهم من نالوا مناصب وزارية وغيرها في البلاد الإسلامية. وكل من المسيحي والمسلم في الشرق الأوسط يتجه نحو تحقيق العيش الواحد في حياة المواطنين المتساوين في أصل المواطنة، وفيما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ولا يفرق بينهم في هذه الحياة أن أحدهما مسيحي والثاني مسلم، وإنما يجمعهما شرف الانتماء إلى وطن بنوه معاً، ويحمونه بدمائهم وأموالهم معاً، ويدفعون كل كيد يراد به بوقوفهم صفاً واحداً؛ فالدين ليس العامل الوحيد فحسب الذي يحكم علاقاتهم، بل هناك روابط أخرى كالنسب والدم والعرق والجنس والوطن واللغة، وغيرها من الروابط التي تشكل الهوية العربية والمواطنة الصالحة في المجتمع، ولذلك فإن اختلاف الدين لم يفصل المسيحيين والمسلمين العرب بعضهم عن بعض، ولذلك تعايشوا وتعاملوا، كأبناء أرض واحدة. وأي ظروف قاسية أو نزاعات مرت أو تمر بالمسيحيين في هذه المنطقة، كانت دائماً من فعل الغريب وبتأثير العنصر الأجنبي، والمسيحيون العرب – ليس لديهم كالغربيين حُمى فوبيا الإسلام- أحرار من العقدة الصليبية؛ لأنهم - ببساطة - لم يكونوا خارج هذه الحملات فحسب، بل لكونهم استهدفوا أيضاً فيها، وأُهدرت دماؤهم فيها كما أُهدرت دماء المسلمين. ووقف المسيحيون موقفاً صارماً تجاه المحتلين الغربيين - تحت ستار حماية الأقليات - ونذكر أن كثيراً من المفكرين وكبار رجال السياسة المسيحيين وقفوا على المنابر ليرفضوا حماية هؤلاء المحتلين للأقليات؛ فالتخدل الأجنبي في شؤون المسيحيين والمسلمين وعلاقاتهم بعضهم ببعض أمر مرفوض من الفريقين جميعاً، وهو يعبر عن أصالتهم المشرقية وعن التزامهم بقضايا أمتهم وفي صناعة مصير دولهم الوطنية ومستقبلها. والمشكلة التي يواجهها مسيحيو الشرق تتمثل في هجرتهم من المنطقة. وهذه الهجرة ليست مصيبة على المسيحيين وحدهم ولكنها مصيبة على المسلمين أيضاً؛ فنتائج الهجرة وانعكاساتها، سلبية ليس على المسيحيين فقط، وإنما على شخصية العالم العربي وهويته وعلى مستقبله ومصيره، وتؤدي إلى تفسخ المجتمعات العربية وإلى تآكلها وبالتالي إلى خسارة عناصر ومقومات جوهرية في البنية المجتمعية لبلدان الشرق العربي. وفلسطين تعد نموذجاً حياً للتسامح والتعايش الديني المعاصر، فالمسلمون والمسيحيون فيها يتجاورون في السكن في أحياء مشتركة ويتزاورون في الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، ويعايد بعضهم بعضاً، ويشارك أحدهم الآخر، أفراداً وجماعات في العمل والأفراح والأتراح، ويشكل المسلمون والمسيحيون في فلسطين شعباً واحداً؛ فهم يشتركون في البيئة الثقافية والحضارية والسياسية نفسها، ولهم تاريخ مشترك، ولهم تطلعات مشتركة ومستقبل واحد، وشكل المسيحيون الفلسطينيون في فلسطين التاريخية ركيزة مهمة في التاريخ الفلسطيني المعاصر والحركة الوطنية منذ بداية القرن الماضي؛ فلقد برز المسيحيون الفلسطينيون في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بقوة، وكان لهم الحضور الكبير في النضال الوطني منذ سنة 1917 حتى اليوم، وحاول الإسرائيليون بشكل مستمر ومتكرر اللعب على وتر العلاقات الإسلامية المسيحية في فلسطين، إلا أن المسيحيين والمسلمين على السواء واجهوا دوماً هذه المؤامرات والخطط التفريقية، وذاق الآلاف منهم مرارة الاعتقال وقسوة السجان، واحتجزوا مع المعتقلين المسلمين في ظروف قاسية، وتعرضوا لما تعرض له باقي المعتقلين الفلسطينيين من معاملة لا إنسانية، ولصنوف مختلفة من التعذيب والحرمان، وكانوا شركاء في الألم والصمود والنضال خلف القضبان. ولقد تبنت السلطة الوطنية الفلسطينية سياسة وطنية تقوم على التسامح الديني، تتضح معالمها من خلال النظر في مناهج التدريس ووسائل الإعلام المختلفة والوظائف العامة والخاصة وتقديم الخدمات المختلفة، وفي المساواة أمام القانون، واتخاذ إجراءات تكرس تمثيلاً مسيحياً في مؤسسات السلطة، والتشجيع على فتح وتشجيع العديد من المؤسسات الدينية والاجتماعية ذات الطابع الحواري في مناطقها. وخلاصة القول أن المشرق العربي حفل على مدى عدة قرون بأروع مظاهر الحياة الأخوية المسيحية الإسلامية التي تقوم على المحبة والتسامح والتي لا يزال الناس يتطلعون إليها اليوم في معظم بقاع الأرض، والتي يمكن أن توجه كرسالة إلى العالم، أو كأنموذج رائع للعلاقات البشرية التي تقوم على المحبة والتعاون والتفاهم، ليس بينهم وبين المسلمين فحسب، بل بين الشرق والغرب أيضاً.

التنزيلات

بيانات التنزيل غير متوفرة بعد.

السيرة الشخصية للمؤلف

المطران عطا لله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذوكس، بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس، فلسطين.

التنزيلات

منشور

2013

كيفية الاقتباس

حنا ا. ع. ل. (2013). العلاقات الأخوية المسيحية - الإسلامية في المشرق العربي عامة وفي فلسطين خاصة، هل يمكن أن تشكل نموذجا للغرب؟. المجلة العربية للعلوم الإنسانية, 31, 79–110. https://doi.org/10.34120/ajh.v31i.2409