الهوية الثقافية: ماهيتها وخصائصها.
DOI:
https://doi.org/10.34120/ajh.v31i.2401الملخص
يستخدم مصطلح "الهوية" لترجمة المصطلح الإنجليزي Identity المشتق من الكلمة اللاتينية Idem التي تعني "المماثل أو المشابه". وهذا المصطلح "هوية" مصطلح حديث في الثقافة العربية؛ إذ استخدمت هذه الثقافة مصطلحاً آخر، هو الذات لتعني به – إلى حد ما – ما يعنيه مصطلح الهوية. وعلى ذلك استخدم بعض الباحثين مصطلحات من مثل "الذات الخاصة" و"الذات العامة" و"الذات الفردية" و"الذات الجمعية"، وهم يعنون بــ (الذات) هنا ما يقابل "الهوية" في استعمالات أخرى. وترى هذه الورقة أن استخدام المصطلح بالمعنى الحديث لا يبعد كثيرًا عن الأصول القديمة سواء في العربية أو اللاتينية، فنحن عندما نقول: إننا لا بد من أن نتعرف ذاتنا، أو هويتنا الثقافية مثلاً فإنما نعني – في المقام الأول – أننا نريد أن نعرف حقيقتنا وحالنا، وأن ندرك من ثم من نحن، وأين موقعنا من حركة التاريخ، وطبيعة علاقتنا مع الآخرين. كما أننا عندما نتحدث عن ذات أو هوية ثقافية إنما نعنى تشابه أو تماثل مجموعة من الذوات أو الحقائق الفردية، أو عدد من السمات والخصائص المادية والمعنوية المشتركة. وبمعنى آخر، إنها تعني أساليب تفكير، وأنماط سلوك متشابهة أو متماثلة وسائدة إلى حد كبير. وهذه الهوية الثقافية ليست موروثاً ناشئاً عن جوهر لا يتغير أو بنية عقلية، أو نفسية، ثابتة، إنها حقيقة لا تحددها الغريزة، ولا تصوغها الفطرة، تشترك في تكوينها مجموعة كبيرة من العوامل، تتبلور في النهاية، كي تعطي ملامح مشتركة وخصائص عامة يصح أن نستخدمها في التعميم، إلى حد كبير. وتصبح الهوية الثقافية، بهذا المعنى، هي ما تحرص الجماعة على إظهاره على أنه ملامح ثابتة يتشابه فيها أعضاؤها، ويتماثلون في كثير من رؤاهم ومواقفهم. إن هناك تصورات ومشاعر، فردية وجمعية، تستقر في اللغة، وفي الفن والعادات والتقاليد والقيم... إلخ، يمكن الرجوع إليها في تحديد الهوية الثقافية للشعوب والأمم، ولكننا ينبغي أن نتحفظ هنا بأن هذا ليس أمرًا مطلقًا، أو يرجع إلى تركيب عقلي متأصل في طبيعة الجماعة أو الشعب أو الأمة، أن هذه الهوية تعني، فيما تعنيه، مجتمعًا يتفاعل باعتباره وحدة مع المجتمع الآخر، أو المجتمعات الأخرى؛ أي مع عالم مختلف عن عالمه، قربًا أو بعدًا. ويمكن تلخيص خصائصها التي ستناقشها هذه الورقة على النحو التالي: - أن الهوية الثقافية عامة ليست ماهية مجردة، إنما هي حالة تراكمية لعناصر متعددة، وأن اللغة والتجارب المتنوعة للأجيال المتعاقبة والعادات والمعتقدات والتقاليد والفنون والآداب والتقاليد والمعارف والقيم وأنماط السلوك، تسهم باستمرار في بلورتها وتحديد معالمها. - أنها تعبير عن كلَ مركّب من حقائق تاريخية وجغرافية وواقع اقتصادي وسياسي، واجتماعي. وهي في الوقت ذاته تعبير عن طموحات وتطلعات جماعة أو شعب أو أمة، في الزمان والمكان. - أنها ليست أحادية الجانب، وإنما هي متعددة الجوانب ولا تتسم بالثبات أو الجمود، وإنما هي ديناميكية مستمرة متطورة في الزمان والمكان أيضاً، ولا يغيّر من ذلك أن تحتفظ بعناصر تتسم بالثبات أحياناً. وأياً ما كان الأمر فإن الثراء الحضاري لأي مجتمع إنما يأتي من تنوع هويته، وفي تعدد مصادر هذه الهوية، وأنه كما تنتج الأمة أو الجماعة ثقافتها، فإن هذه الثقافة هي التي تصوغ هويتها وتقوم بتشكيلها وإبراز خصائصها.












