مدخل فكري لإعادة فهم التكوين السياسي عند العرب.
DOI:
https://doi.org/10.34120/ajh.v13i.1525الملخص
يمكن للعرب إذا أحسنوا الرؤية وصدقوا العزم أن يحققوا نهضة فكرية، وثورة معرفية تنويرية جديدة، تصل ما انقطع من مسارات نهضتهم المبكرة في مطلع العصر الحديث - من خلال بلورة المشروع الحضاري العربي الإسلامي - القادر على الإنجاز والفعل.
ولقد أثبتت دروس الكوارث الأخيرة أن الوعي العربي السائد قابل للتزييف بسهولة. ولا يستطيع العقل أن ينتج فكرًا إذا لم يجد غذاءه الكافي من المعرفة، والوعي العربي العام مازال غير قادر على التمييز بين التشخيص الوصفي الموضوعي للحالة، وبين الحكم القيمي أو الذاتي عليها. والنهضات الحقيقية في حياة الأمم لا تبدأ إلا بثورة معرفية علمية - موجهة إلى فهم الذات الجماعية للأمة، وإعادة اكتشافها ونقدها.
ولقد ظلت الحركات والتيارات العربية تقدم الايديولوجيا على الحقيقة وليس صحيحًا أنه لا ثقافة بدون ايديولوجيا، وإنما الصحيح أنه لا ايديولوجيا فاعلة ومتماسكة دون ثورة ثقافية معرفية تتقدمها وتقودها وتقربها من أفق الحقيقة والواقع الذي يجب أن تبدأ به هو الواقع التاريخي الممتد في الزمان والمكان والمؤثر بعمق في المسلكية العامة للأمة إلى يومنا هذا.
إن العوامل التالية هي التي أنتجت الأزمات في حياة العرب السياسية:
أولاً: تراث اللادولة في المنطقة العربية التي انطلق منها الإسلام، فكان الإسلام يعمل على تأسيس كيان ومؤسسات دولة من نقطة الصفر تقريبا. والواقع أن تجربة العرب السياسية انقسمت بين أهل مدن وريف، وبين قبائل وأهل بادية، ومعنى ذلك تواضع التجربة السياسية العربية.
ثانياً: يمثل التنظيم القبلي أخطر العوامل المؤثرة في كثير من المجتمعات العربية ويمكن إرجاع معظم الفروق الكلامية والمذهبية والسياسية المتعارضة إلى الجذور العشائرية والقبلية، وبينما تؤدي الدولة إلى التجمع في كيان سياسي واحد، تؤدي القبلية إلى التشرذم والتفتت.
ثالثاً: العاملان السابقان ما هما إلا نتاج تاريخي لظاهرة أعم هي ظاهرة الجدلية بين البداوة والحضارة وبين الصحراء القاحلة ومناطق المدن والاستقرار وأدت هذه القطيعة التاريخية مع القطيعة الجغرافية المتمثلة في الفراغات الصحراوية الهائلة بين مراكز الحضر - مما أدى إلى تعددية الكيانات وتباعدها - حتى قبل حدوث أية تجزئة استعمارية.
وإذا كان الاستعمار الأوروبي قد حرر المدن العربية من السيطرة الرعوية - فتحولت إلى قوة فاعلة - فإن الجماهير الريفية المهملة قد تسلحت الآن بأيديولوجيتها الدينية الأصلية والأصولية لإنهاء التسلط المدني وإقامة سلطتها الريفية.












