عن المجلة

أنشئت مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية في 15/3/1983، وهي إحدى مجلات مجلس النشر العلمي الذي أنشأته جامعة الكويت بتاريخ 22/11/1986، حيث يتولى الإشراف على المجلات العلمية الجامعية، ويرسم سياستها العامة، ويضع نظمها ولوائحها، ويعمل على الارتقاء بها إلى المستوى اللائق كمجلات علمية متخصصة. وهي مجلة فصلية علمية محكمة تُصدر أربع إصدارات سنوياً (مارس، يونيو، سبتمبر، ديسمبر)، وقد صدر العدد الأول لها في رجب 1404هـ – أبريل 1984م.

مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية هي مجلة متخصصة بالبحوث والدراسات الإسلامية، وتهدف إلى معالجة المشكلات المعاصرة والقضايا المستجدة من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، ومن ثم فقد تعددت موضوعاتها وتنوعت، فشملت معظم علوم الشريعة الإسلامية: من تفسير، وحديث، وعقيدة، ودعوة، وفقه، وفقه مقارن، وأصول فقه، واقتصاد إسلامي، وثقافة إسلامية، وتراجم وأعلام، إلى غير ذلك من تقارير عن المؤتمرات العلمية، ومراجعة فتاوى وكتب شرعية معاصرة، وتعليقات على قضايا علمية.

كما تنوع الباحثون فيها فكانوا من أعضاء هيئة التدريس في مختلف الجامعات والكليات الإسلامية، على رقعة العالمين العربي والإسلامي.

وتخضع البحوث المقدمة للمجلة إلى عملية فحص وتحكيم، حسب المعايير والضوابط التي التزمت بها المجلة، ويقوم بها كبار العلماء المتخصصين في الشريعة الإسلامية، بهدف الارتقاء بالبحث العلمي الإسلامي الذي يخدم الأمة، ويعمل على رفعة شأنها.

هذه مجلة ذات دخول مفتوح؛ ما يعني أن كل المحتــوى مجــاني، ومتــاح دون رســوم للمســــتخدم أو مؤسـسته، ويُسمح للمستخدميــن التنزيـــل، أو النسخ، أو التوزيع، أو الطباعة، أو البحث، أو الارتباط، أو استخدامها لأي غرض قانوني آخر دون طلب إذن مسبق من الناشر، أو المؤلف.

الإعلانات

تصنيف المجلة وفق معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي (Arcif) 2026

2026-10-20

نجحت مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية في تحقيق معايير اعتماد معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي "آرسيف Arcif" لعام 2026 المتوافقة مع المعايير العالمية، والتي يبلغ عددها (32) معياراً.

إقرأ المزيد عن تصنيف المجلة وفق معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي (Arcif) 2026

العدد الحالي

مجلد 41 عدد 146 (2026)
					معاينة مجلد 41 عدد 146 (2026)

 كلمة العدد

بقلم: أ.د. عبدالرحمن حمود المطيري

القائم بأعمال رئيس تحرير مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية

                                                          علم القواعد الفقهية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا، وبعد ...

فإن من أبرز ما يميّز الفقه الإسلاميَّ أنه لم يقم على ركام من الجزئيات المتناثرة، بل قام على أصول كلية تنتظم فروعه وتربط بين مسائله، وتكشف عن روحه ومقاصده، وفي طليعة هذه الأصول ما اصطلح العلماء على تسميته بالقواعد الفقهية، تلك العبارات الوجيزة المحكمة التي تختصر في كلمات ما تفرّقَ في أبواب كثيرة من الفقه.

فعلم القواعد الفقهية علم جليل، والعناية به ليست ترفًا علميًّا، بل حاجة ملحّة يفرضها اتساع الوقائع وتجدد النوازل وكثرة المستفتين.

والقاعدة الفقهية هي: «الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يُفهم أحكامها منها» (السبكي، الأشباه والنظائر، 1/11).

والقواعد الفقهية تختلف عن القواعد الأصولية؛ إذ القاعدة الأصولية موضوعها الأدلة والألفاظ، وهي الوسيلة التي يستنبط بها المجتهدُ الحكمَ من دليله، كقولنا: «الأمر يقتضي الوجوب».

أما القاعدة الفقهية فموضوعها أفعال المكلّفين، وهي ثمرة استقراء الأحكام الفرعية والنظر في أحوالها وعللها.

ومن هذا يتضح موقع القواعد الفقهية بين علوم الشريعة: إنها جسر يصل بين أصول الفقه في عمومها وتجريدها، وفروعِ الفقه في تفصيلها وتشعّبها؛ ولذلك عُدّت علمًا مستقلًّا له مصنّفاته ورجاله.

والقواعد الفقهية لم تولد دفعة واحدة، بل نبتت بذورها الأولى في نصوص الوحي، فقد أوتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم جوامعَ الكلم، فقال: «إنّما الأعمال بالنيّات». (أخرجه البخاري ومسلم)، و «لا ضرر ولا ضرار». (أخرجه ابن ماجه)، و «الخراج بالضمان». (أخرجه أبو داود)، «ولكنّ اليمين على المدّعى عليه». (أخرجه مسلم)، وهذه عبارات وجيزة تحمل معاني كلية تتفرّع عنها مسائل كثيرة.

ثم جاء الصحابة والتابعون فأجروا فتاواهم وقضاءهم على مثل هذه المعاني، ومن ذلك كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وفيه: «الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى» (أخرجه الدارقطني).

وفي عصر الأئمة المجتهدين كثرت في أقوالهم عبارات كلية اتخذها أتباعهم لاحقًا قواعد مستقلة.

أما التدوين فقد حكى ابن نجيم أن الإمام أبا طاهر الدبّاس «جمع قواعد مذهب أبي حنيفة رحمه الله سبعَ عشرةَ قاعدةً وردَّه إليها» (ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص14)، وحكى السيوطي في المذهب الشافعي أن القاضي حسينًا «ردّ جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد» (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص7).

ثم توالت المصنّفات في المذاهب كلّها: فكتب العزّ بن عبد السلام «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، وكتب القرافي «الفروق»، وكتب الزركشي «المنثور في القواعد»، وكتب ابن رجب الحنبلي «القواعد»، وألّف السبكي والسيوطي وابن نجيم كلٌّ منهم كتابًا سمّاه «الأشباه والنظائر».

وفي القرن التاسع عشر بلغ هذا العلم مرحلة التقنين، حين صدرت «مجلّة الأحكام العدلية» عن الدولة العثمانية سنة 1876م، وفيها «تسع وتسعون قاعدة فقهية» في مقدّمتها (مجلة الأحكام العدلية، المقالة الثانية، ص16).

وهذا كله يدل على عناية علماء المسلمين بعلم القواعد الفقهية؛ وذلك لوجوه عدة:

أولها: أنها تضبط الفروع المتناثرة وتضمّها في سلك واحد. قال القرافي: «ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات» (القرافي، الفروق، 1/3)، وقال الزركشي: «ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أوعى لحفظها وأدعى لضبطها» (الزركشي، المنثور في القواعد، 1/65). وقال ابن رجب في مطلع كتابه: «فهذه قواعد مهمّة، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب» (ابن رجب، القواعد، ص55). فما يبدو للناظر أبوابًا منفصلة يتبيّن للمتمرّس أنها تصدر عن معنى واحد.

وثانيها: أنها تيسّر استحضار فروع الفقه؛ إذ الفقه بحر واسع، ومسائله لا تكاد تُحصى، ومن المتعذّر حفظ كل فرع على حدة، لكن بضبط المتعلم القواعد الفقهية يستطيع أن يتعرف على أحكام جملة كبيرة من من فروع الفقه، فتصبح القاعدة مفتاحًا يفتح له الباب في أول وهلة، وأستحضر هنا كلمة جميلة لابن رشد الحفيد، حيث قال: «نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفًّا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت». (ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 3/ 210).

وثالثها: أنها تُكوّن الملكة الفقهية عند الدارس، فالفقيه ليس مَن كثرت محفوظاته فحسب، بل من أدرك النظائر والأشباه، وفرّق بين المتشابهات في الصورة المختلفات في الحقيقة. وقد قال السيوطي في مقدّمة أشباهه: «اعلم أنَّ فنَّ الأشباه والنظائر فنٌّ عظيم، به يُطَّلَع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، وَيُتَمَهَّر في فهمه واستحضاره، ويُقتدَر على الإلحاق والتخريج»، ونقل فيها قولهم: «الفقه معرفة النظائر» (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص6). وهو المعنى الذي أشار إليه عمر في كتابه لأبي موسى: «واعرف الأمثال» (ابن القيم، إعلام الموقعين، 1/68). ومن أدمن النظر في هذا الفنِّ صار له منهج في التفكير، لا مجرد رصيد من النقول.

ورابعها: أنها تكشف عن علل الأحكام وحكمتها ومقاصدها، فإذا قرأ المتعلم أن «الضرر يُزال». فهم لماذا جاءت أحكام الرد بالعيب والشفعة والحجر، وما يجمع بينها من روح واحدة، وقد قال العزّ بن عبد السلام: «والشريعة كلّها مصالح إمّا تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح». (العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، 1/11). وبهذا تربط القواعدُ الفقهَ بمقاصد الشريعة، فتجعل المتعلم يرى في الأحكام معاني مراعاة المصالح ودفع المفاسد، لا أوامر جافّة منفصلة عن حكمتها.

وخامسها: أنها عون للمفتي والقاضي، فإذا نزلت بالمفتي واقعة لم تَرِد بعينها في كتاب ولا في متن، لجأ إلى القاعدة المنطبقة عليها يستضيء بها في تكييفها وتخريجها على ما يشبهها. وقد أدرك واضعو المجلّة ذلك، فجعلوا القواعد الكلية في مقدّمتها ليرجع إليها القضاة (مجلة الأحكام العدلية، المقالة الثانية، ص16).

وتظهر قيمة هذا العلم أكثر ما تظهر في زماننا، حين تتسارع المستجدّات في المعاملات المالية والتجارة الإلكترونية والطبّ الحديث والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولا يمكن لأي موسوعة فقهية أن تتضمّن حكم كل نازلة قبل وقوعها، لكن القواعد تمنح المجتهد ميزانًا يزن به الواقعة الجديدة.

ففي المعاملات المالية تُستحضر قاعدة «الخراج بالضمان» (أبو داود، السنن، رقم 3508) لبيان أن الغُنم مرتبط بتحمّل التبعة، وقاعدة «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني» (مجلة الأحكام العدلية، المادة 3، ص16)؛ للنظر في معاملات تلبس ثوب البيع وهي في حقيقتها على خلافه.

وفي الطب يستند الفقهاء إلى «الضرورات تبيح المحظورات» (الزركشي، المنثور في القواعد الفقهية، 2/ 317)، و «الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامّة كانت أو خاصّة». (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص88) في مسائل التداوي والجراحة، مع التقيّد بقاعدة: «ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها». (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص85).

وفي التقنية والبيانات يفيد النظر في «لا ضرر ولا ضرار» (أخرجه ابن ماجه) و«درء المفاسد أولى من جلب المصالح» (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص87) عند بحث حماية الخصوصية والمسؤولية عن الأضرار الرقمية.

ولا تقل أهمية القواعد في الاجتهاد الجماعي، إذ تعمل المجامع الفقهية والهيئات الشرعية على توحيد منطلقات النظر في النوازل، والقواعد لغة مشتركة تقلّل التناقض وتضبط الفتوى من الاضطراب والتشدّد أو التساهل المذمومين.

ومع هذه المكانة ينبغي التنبيه إلى أمور منهجية:

أولها: أن القواعد أغلبية في الغالب، ولها مستثنيات، كما نبّه إليه الحموي في تعريفه

للقاعدة الفقهية بأنها: «حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرف أحكامها منه» (الحموي، غمز عيون البصائر، 1/51)، فلا يُجرى الحكم على إطلاقها دون نظر.

وثانيها: أنها لا تُجعل دليلًا مستقلًا في الحكم متى انفصلت عن النصوص وما استقرّ من أدلة الشريعة.

وثالثها: أن تطبيقها يحتاج إلى فقه بالواقع وتصوّر صحيح للمسألة، فمن أخطأ التكييف أخطأ تطبيق القاعدة.

ورابعها: أنَّ لكل قاعدة شروطًا وحدودًا، كقولهم: «ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها» (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص85)، فلا يصح أن تُتّخذ ذريعة إلى التساهل في الأحكام.

وخلاصة القول أن القواعد الفقهية ليست محفوظات يردّدها المتعلم، بل هي منهج في فهم الشريعة وتطبيقها، تجمع بين ثبات الأصول ومرونة الفروع، وتصل نصوص الوحي بوقائع الناس، وتمكّن الفقيه من الجواب عن المستجدّات دون انفلات ولا جمود.

والحمد لله رب العالمين

منشور: 2026

اقتصاد إسلامي

معاينة جميع الأعداد